معرفة

أزمة صناعة نشر وليست أزمة ديجيتال ميديا!

أزمة صناعة نشر وليست أزمة ديجيتال ميديا!

في تقديري المشاكل التي تواجه عملية التحول الرقمي لدور النشر هي جزء من أزمة صناعة الكتب في مصر بشكل عام، النشر لدينا نشر موسمي مرتبط بمعرض الكتاب، وعدد كبير من دور النشر يعمل بالأساس كمطبعة غرضها تحقيق ربح سريع، لا كدار نشر تتحمل مسؤوليات كبرى تجاه القارئ والكاتب، وتجاه الثقافة في البلد، لدينا دور نشر تطبع 500 نسخة فقط من الكتاب، في حين تطبع دور النشر الأجنبية آلاف النسخ للكتاب المبتدئين في أوروبا وأمريكا، طبيعي أن يكون لدينا مشاكل في التحول الرقمي، ومواكبة عصر الديجيتال ميديا كعرض من أعراض تأخر صناعة النشر ككل، الحديث عن عدم المكسب من النسخ الإلكترونية، أو عن عدم جدوى توجيه استثمارات كبيرة إلى رقمنة الثقافة محض هراء، بعض الروايات على مواقع القرصنة يتم تحميلها آلاف المرات، بعض الروايات يتخطى معدل قراءتها على مواقع القرصنة مجموع ما تم بيعه من نسخها الورقية، ما يعني أن هناك جمهور متعطش لثقافة رقمية تتجاوز الأشكال التقليدية الشائعة حاليًا، إذا كانت الدور لا تستفيد من هذا الجمهور، ولا تضع في حسبانها الأجيال الجديدة المتجاوزة لفكرة الثقافة الورقية فإن المشكلة تصبح مشكلتها هي لا مشكلة الجمهور.


دور النشر يجب أن تنتبه جيدًا للصعود الكبير للجيل (Z)، بعد سنوات طالت أو قصرت سيكون هذا الجيل هو المحرك الرئيسي للسوق، والممتلك الأول للقوة الشرائية، وسيبحث عن إشباع احتياجاته الثقافية بطرق إلكترونية تتناسب والهواتف الذكية التي لا تفارق يده، فإن لم نكن مستعدين لذلك من اليوم عبر استثمارات طويلة المدى، فإن هذا الجيل سيلجأ لبدائل أخرى، سواء عبر القرصنة، أو باللجوء لكتب ووسائط معرفية أجنبية، أو حتى بهجر الدائرة كلها إلى تطبيقات إلكترونية منافسة، ووسائل تواصل اجتماعي بديلة.


إذا كان هناك دور نشر تحركت، وأتاحت كتبًا على منصات إلكترونية مثل فودافون كتبي، وجوجل بلاي وأبجد وغيرها، فإن هذا التحرك يظل محدودًا جدًا، لا يمثل شيء من المكتبة الغنية التي تمتلكها هذه الدور، ناهيك عن كون هذه النسخ المتاحة إلكترونيا تماثل في سعرها نظيرتها الورقية تقريبًا، أو تقل بفارق ضئيل، لا يتناسب مع حديث الناشرين الدائم عن الطباعة وتكاليفها كسبب رئيسي لغلاء أسعار الكتب، بكل أسف ينظر بعض الناشرين تحت أقدامهم، يريدون ربحًا فوريًا من الأشكال الإلكترونية للكتب، رغم إن أي استثمار يتطلب بالضرورة الصرف عليه لسنة واثنين وثلاثة إن لزم الأمر قبل أن يغطي تكاليفه.


هذا الحديث عن صناعة النشر وجهود الرقمنة، يقودنا أيضًا إلى ضرورة تحول دور النشر إلى وكيل أدبي، بالمعنى الكامل المتواجد في أوروبا، أي أن تكون كل مهمة المؤلف هي الكتابة والإبداع، في حين تكون مهمة الوكيل الأدبي هي تسويق هذه الحقوق ورقيًا وإلكترونيًا، وتحويل هذه الكتب إلى إصدارات صوتية، وبيع حقوقها للمسرح والتلفزيون وغيرها، بهذا الفكر يمكن للصناعة أن تخطو خطوات واسعة للأمام، خاصة وأن المستقبل يحمل دلالات كبيرة على حاجة السوق إلى مزيد من الروايات والكتب التي يمكن تحويلها إلى شكل مرئي، خدمات المشاهدة حسب الطلب مثل نتفيلكس وديزني وغيرها ستفتح أبواب غير مسبوقة، وإذا كانت البداية بمسلسل عن سلسلة روايات ما وراء الطبيعة لدكتور أحمد خالد توفيق، فإن السنوات القادمة ستشهد في تقديري مزيدًا من الطلب على الروايات الناجحة بدفع من قوة نتفيلكس الإنتاجية، وعلى المؤلفين والناشرين أن يكونوا مستعدين وإلا سيتجاوزهم الزمن.

بواسطة
محمد جمال
الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى