فن وسينما

أنت تحب والتر وايت لأسبابٍ عدة، منها كونه يشعرك بالأمان

أنت تحب والتر وايت لأسبابٍ عدة، منها كونه يشعرك بالأمان

يعيش والتر وايت حياة رتيبة مملة ذات مثيلاتٍ كثيرة تراها يوميًا، وربما تكون حياتك نفسها هى واحدة من ضمن هذه المثيلات.. رجلٌ خمسيني.. متزوج ويعول.. الوظيفة هى مصدر رزقه الوحيد.. يرتدي بنطاله الجبردين ونظارته الطبية.. يصفف شعر رأسه يوميًا بنفس الطريقة ليبدو بنفس المظهر ذاهبًا لنفس العمل قائمًا بنفس المهام مارًّا بنفس الموجودات خائضًا نفس المواقف وملقيًا نفس التحيات.. حياة والتر وايت هى مجردة إعادة الكرّة لكل ما سبق.
يظل يعيد الكرّة وحتى يكتشف فجأة أنه مريض سرطان وأيامه في إعادة الكرّة أصبحت معدودة!
وفي ظل إمتلاكك وجهة نظر مُسبقة حول الرجل قد تم ترسيخها بطريقة غير مباشرة خلال تتبعك لردود أفعاله كمدرس كيمياء ومفادها أنك أمام رجلًا يعشق الكيمياء عشقًا جمًّا، لا تندهش كثيرًا حينما تعرف أنه سيقرر أن تكون الكيمياء هى الحل.

لم يعد هناك وقت.. لم يعد هناك أمل، فالأمل سيلقيه والتر وايت نفسه لاحقًا في سلة المهملات.. هذا الرجل يتعامل وفق ظروف المرحلة ومعطياتها التي تقر له بأنه سيموت حتمًا.. لم يقرر البحث عن حلٍ عملي للمسألة بل هو ألقى المسألة نفسها بعيدًا عنه.. هذا وقت اتباع الهوى وتحقيق الذات التي لطالما سعيت له!

على عكس ما هو شائع، والتر وايت لم يفعل ما فعله لأجل عائلته.. هذه حقيقة يؤكدها لك بنفسه لاحقًا.. والتر يتبع هواه.. والتر يتبع الكيمياء.. لا كيمياء الوظيفة الأحادية الثابتة المصمتة، بل كيمياءه الخاصة، الكيمياء الملأى بالاحتمالات.
يتقاطع مسار الرجل مع خاصتك، إذا كنت ممن يحلمون بشدة باتباع هواهم الخاص.. كيميائهم الخاصة، وهذا ما يجعلك في رأيي تتوحد معه وتؤمن به وبخياراته التي يقر المنطق بأنها خياراتٍ خاطئة وغير قانونية، لكنك تعرف أن المسألة أكبر من ذلك.. إنها تعدت حدود هذه الأحكام، فأنت أمام رجلٍ يخوض رحلتك الخاصة عوضًا عنك.. يتخذ خياراتٍ لم تقو أنت على أخذها، ويسلك دروبٍ لطالما ابتعدت أنت عنها.. هذا ما يجعلك تنحي كل الأحكام العاطفية والمنطقية جانبًا، وتتمنى له النجاح فقط.

لم يقرر والتر تغيير طريقة تصفيف شعره، ليشعرك بأنه بصدد تغييرٍ ما ولحظة تحول.. والتر وايت يزيل شعره بالكامل.. والتر يؤكد لك للمرة الثانية وبطريقة مختلفة أنه لم يعد هناك مزيدًا من الوقت.. لا وقت للتصفيف! بالتزامن مع هذا ستجده يثور غضبًا على مالك المغسلة التي يعمل بها بعد انتهاء عمله كمدرس كيمياء.. ستجده يجامع سكايلر ببوهيمية ودون أي ترتيبات مسبقة.. ستجده يتغيب عن عمله وهو أمرٌ لم يحدث من قبل.. تتابعات كثيرة تؤكد لك أن والتر وايت لم يعد كذلك! إنه هايزينبرج.

وبعد تأكيده المستميت على ذلك يبدأ في بناء أسطورته الخاصة وفي أسرع وقت ممكن يحقق نجاحاتٍ عدة ومنقطعة النظير مقارنةً بمتبعي نفس المسار.. ينجح والتر وايت في إيجاد ذاته وتحقيق أسطورته وهو في الخمسينيات من عمره ما يشعرك ببعض الراحة، فأنت تحب والتر وايت لأسبابٍ عدة، منها كونه يشعرك بالأمان! يشعرك بأنه دومًا هناك فرصة وأن الوقت لم ينفذ بعد.. دائمًا هناك طريق ووسيلة ومنفذ يمكنك من خلاله تحقيق أسطورتك الخاصة.. مهما بلغ حجم التحديات والصعوبات فتأكد أنها ليست أصعب وأكثر شراسة من أن تقرر ذلك وأنت أربعيني متزوج وتعول ومصاب بسرطان الرئة.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى