مصر

ترسيم الحدود البحرية وعلاقتها بالمصلحة المصرية

ترسيم الحدود البحرية وعلاقتها بالمصلحة المصرية

بعد الاتفاقية التي وقعت بين تركيا وليبيا والتي لها علاقة بترسيم الحدود البحرية بين الطرفين هناك اسئلة كثيرة حول ترسيم الحدود البحرية في شرق المتوسط وعلاقة مصر بهذا الامر..سأحاول في هذا البوست الطويل شرح مفهوم ترسيم الحدود البحرية بشكل مختصر بقدر الامكان ثم توضيح ابعاد الترسيم على مصر وتحقيق المصلحة المصرية.

*ترسيم الحدود البحرية والمناطق الاقتصادية الخالصة

كل بلد لها سواحل على البحار او المحيطات يكون لها مياه اقليمية بمعنى مساحة من مياه البحر تعتبر وكأنها ارض تابعة للدولة ولها حق السايدة عليها وحدود المياه الاقليمية تعتبر كأنها حدود الدولة والدولة لها الحق في التعامل مع اي اختراق لهذه الحدود مع مرور الوقت ظهرت اكتشافات للبترول والغاز في المياه العميقة بمعنى اخر في اماكن تتخطى المياه الاقليمية وتبعد مئات الكيلو مترات عن سواحل الدول بالاضافة الى الثروة السمكية الضخمة في هذه المساحات من المياه ولأنه لم يكن هناك اي قوانين لضبط استغلال هذه الثروات واثبات احقية ملكيتها للدول تمت صياغة اتفاقية الامم المتحدة لقانون البحار في 1982 والاتفاقية وضعت ضوابط لتقسيم مساحات المياه في البحار والمحيطات التي تتخطى حدود المياه الاقليمية وسميت هذه المناطق بالمناطق الاقتصادية الخالصة – Exclusive Economic Zones (EEZ) وتم تحديد هذه المناطق ب 200 ميل طولي من سواحل الدول وبالتالي اي دولة لها سواحل على البحار او المحيطات تصبح المنطقة الاقتصادية الخالصة لها تبدأ من بعد نهاية المياه الاقليمية (بعد 12 ميل من الساحل) وتمتد بطول 188 ميل (المجموع 200 ميل من الساحل) ويكون للدولة في هذه المناطق حق استغلال الثروات وحق التنقيب والاستكشاف عن البترول والغاز ولكن ليس لها الحق في التحكم في الملاحة البحرية في هذه المناطق (اي لا تعامل معاملة المياه الاقليمية) وعليها ان توفر حرية وسلامة الملاحة الدولية.

*ما هي المشاكل التي تواجه ترسيم الحدود البحرية

اذا كان هناك مجموعة من الدول الساحلية المتقابلة وكانت المسافة بين سواحل هذه الدول تتخطى 400 ميل في هذه الحالة لا تظهر اي مشاكل حيث ستلتزم كل دولة ب 200 ميل من سواحلها دون ان يكون هناك تداخل مع الحدود البحرية للدول المتقابلة اما اذا كانت المسافة بين السواحل لمجموعة من الدول الساحلية المتقابلة اقل من 400 ميل فهذا يعني ان كل دولة اذا احتسبت 200 ميل من سواحلها فانها ستتقاطع مع الدولة المقابلة وهنا لابد ان يتوافق الطرفين على حساب الحدود البحرية بينهم على اساس خط المنتصف بينهم اما اذا كانت هناك مجموعة من الدول الساحلية المتقابلة في مياه محدودة كما هو الحال في شرق المتوسط في هذه الحالة يتم تحديد المناطق الاقتصادية الخالصة من خلال البلدين المتقابلين اصحاب اقصر مسافة بين سواحلهم ويكون لهم الحق في امتلاك المناطق الاقتصادية الخالصة مناصفة بينهم.

*اين هي المشكلة في الحدود البحرية بين تركيا واليونان؟

عودة بسيطة الى التاريخ حتى نستطيع فهم جذور المشكلة..بعد هزيمة الخلافة العثمانية في الحرب العالمية الاولى تم توزيع بعض اجزاء وجزر كانت تمتلكها الى بعض الدول الاوربية ومن ضمنها جزيرة كاستيلوريزو (Kastellorizo) التي اصبحت تحت السيادة اليونانية بالرغم انها تبعد عن السواحل التركية بميل واحد تقريبا (1.5 كم) (شكل رقم 1)..عادت الجزيرة مرة اخرى للمشهد بعد ظهور منطقة شرق المتوسط كمنطقة واعدة باحتياطات الغاز الطبيعي وسعي كل دولة لاثبات احقيتها في حدودها البحرية بما يسمح لها بعمليات التنقيب والاستكشاف والحفر..المشكلة هنا بوضعية جزيرة كاستيلوريزو ان طبقا لاتفاقية قانون البحار 1982 فالجزيرة التي تقع امام السواحل التركية مباشرة تدخل ضمن حسابات المناطق الاقتصادية الخالصة لليونان ولا تعتبر للسواحل التركية الممتدة على المتوسط حق في المناطق الخالصة (شكل رقم 2) في نفس الوقت تركيا كانت ضمن دول قليلة لم تنضم الى اتفاقية قانون البحار (امريكا ايضا غير منضمة للاتفاقية) والسبب في ذلك ان تركيا ترى انه من غير المنطقي ان تحتسب المناطق الخالصة لليونان وضمنها جزيرة كاستيلوريزو والتي تهدر بهذه الطريقة مساحات واسعة من حق تركيا (شكل رقم 3) نتيجة هذا الخلاف القائم حول دخول الجزيرة في حسابات المناطق الاقتصادية الخالصة لم تنضم تركيا لاتفاقية البحار وسعت اليونان (ايام مبارك) لترسيم حدودها البحرية مع مصر وفقا للرؤية اليونانية ولكن مصر لم ترسم الحدود مع اليونان مطلقا وظل الامر معلق بسبب ادراك مصر ان طريقة ترسيم الحدود اليونانية سيكون نتيجتها خسارة مصر لمساحة كبيرة من المناطق الخالصة وفي نفس الوقت توتر في العلاقات مع تركيا التى سترى اي اتفاقية بين مصر واليونان في هذا الشأن اضرار مباشر لمصالحها.

 ترسيم الحدود البحرية وعلاقتها بالمصلحة المصرية  ترسيم الحدود البحرية وعلاقتها بالمصلحة المصرية  ترسيم الحدود البحرية وعلاقتها بالمصلحة المصرية  ترسيم الحدود البحرية وعلاقتها بالمصلحة المصرية
*ما هي العلاقة بين خط غاز (East Med) وترسيم الحدود البحرية ومصلحة مصر؟

ذكرت في بوست سابق بالتفصيل النية الجادة لاسرائيل وقبرص واليونان في انشاء خط غاز (East Med) واهتمام الاتحاد الاوروبي لانجاز الخط وتوفير بديل للغاز الروسي الذي يسيطر على السوق الاوروبية (شكل رقم 4) وخلاصة الحديث عن هذا الخط انه باختصار اذا تحول الى امر واقع فسيعني خسارة مصر لدورها المستقبلي كمنصة اقليمية لتصدير الغاز الطبيعي ومن هنا نستطع ان نفهم انه ليس من مصلحة مصر ابدا انشاء هذا الخط وهذا يعني ان مصر على اقل تقدير لا يجب عليها ان تقوم بتسهيل انشاء الخط الذي سيقضي على احد احلامها في المستقبل..وفي حالة اذا كان انشاء الخط امر لا مفر منه واصبح حقيقة في هذه الحالة سيكون اقل الخسائر لمصر ان يمر هذا الخط في حدودها البحرية والذي سيوفر لها مكاسب اقتصادية من رسوم مرور الغاز في المياه المصرية فضلا عن المصلحة الاستراتيجية المتحققة من مرور الغاز القادم من اسرائيل الى اوروبا عبر المياه المصرية وبالتالي المصلحة المصرية باختصار فيما يتعلق بالخط هي عدم انجازه او على اقل تقدير مرور جزء منه بالمياه المصرية.
خط (East Med) يمر في مياه المتوسط ويبدأ من اسرائيل ويمر الى قبرص ثم الى اليونان..نتحدث الان عن الجزء من الخط الذي سيربط قبرص باليونان ويمر في مياه المتوسط..حسب الرؤية اليونانية لحدودها البحرية ولجزيرة كاستيلوريزو كما وضحنا المفترض ان يمر الخط في شريط بحري مشترك بين قبرص واليونان اما حسب الرؤية التركية لحدودها البحرية ولجزيرة كاستيلوريزو كما وضحنا سيقطع الشريط البحري الواصل من تركيا الى ليبيا (بعد الاتفاق الذ تم منذ ايام بين تركيا وليبيا) ذلك الشريط البحري الواصل بين قبرص واليونان وهذا يعني ان خط (East Med) حتى يصل الى اليونان سيكون عليه ان يمر عبر المياه التركية او عبر المياه المصرية والاكثر ترجيحا في هذه الحالة وبسبب الخلافات التركية اليونانية التاريخية ان الخط سيمر في المياه المصرية ثم الى المياه اليونانية وهنا يظهر بوضوح ان المصلحة المصرية تتوافق مع الرؤية التركية بغض النظر عن الخلاف السياسي بين الجانبين.

* النظام المصري واستراتيجيته في منطقة شرق المتوسط

كما اوضحنا سابقا ان المصلحة المصرية تتوافق مع الرؤية التركية في تقسيم الحدود البحرية مع اليونان ولكن وفي ظل العلاقات المتوترة بين مصر وتركيا وفي نفس الوقت العلاقات والتحالفات بين مصر واسرائيل وقبرص واليونان فيبدو ان مصر ستتجه الى ترسيم حدودها البحرية مع اليونان وفقا للرؤية اليونانية !! (هناك رغبة من الطرفين بالإسراع بتحديد المناطق الاقتصادية الخالصة بعد الاتفاق التركي الليبي) وهذا يعني خسارة مكاسب استراتيجية واقتصادية في سبيل التوافق مع الموقف اليوناني ومعارضة القرار التركي.
هذه السياسة هي نفسها التي اتبعها النظام عندما وقع على صفقة بمليارات الدولارات لاستيراد الغاز من اسرائيل ولنا ان تخيل حجم التهديدات التي تمس الامن القومي المصري عندما يكون جزء ليس بالقليل من واردات الطاقة تعتمد فيه مصر بالاساس على اسرائيل !! فضلا عن الشكوك المنطقية عن الجدوى الاقتصادية للصفقة (وضحت ذلك في بوست سابق).
النظام المصري لا يعتمد في سياسته لادراة ملف شرق المتوسط على رؤية تحقق الامن القومي او المصالح الاقتصادية بقدر ما يعتمد على توافقات وارضاء لحلفاءه وداعميه الدوليين والاقليميين وهو ما تكون محصلته عدم استقلالية القرار السياسي والتبعية والتي تؤدي في النهاية الى اتخاذ قرارت بعيدة عن مصالح مصر في اكثر من موقف.
باختصار شديد الاستراتيجية المصرية لادارة ملف شرق المتوسط يجب ان ترتكز في المقام الاول على تحقيق المصلحة المصرية بما يعني الحفاظ على الامن القومي المصري ثم تحقيق مكاسب اقتصادية.

بواسطة
Khaled Fouad
الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى