فن وسينما

عندما وقفت آنا كارينيا لتلقي نفسها أمام عجلات القطار

عندما وقفت آنا كارينيا لتلقي نفسها أمام عجلات القطار

لم تكن القضبان الممتدة حينها تمثل لها سوى وسيلة للهرب من الوجود بأكمله؛ ففي لحظة سبقها تتابع من الخيالات والذكريات الهذيانية، بدا كل شيء فجأة واضحًا تمامًا، لم يعد شيء في الحياة يستحق أن يعاش، لذا، ستتخلص من هذا كله سريعًا الآن.

لكن بالنسبة لشخصيات أخرى في زمنٍ تال، لم تعد الأمور بمثل هذا الوضوح. صارت القضبان بمساراتها المتفرعة رمزًا للحيرة وعدم القدرة على اتخاذ القرار. ففي فيلم “السيد نوبودي” (Mr. Nobody)، يقف الطفل نيمو عند المحطة، لا يعرف إذا ما كان سيستقل القطار مع والدته ويرحل إلى مونتريال، أم سيبقى هنا مع أبيه في قريتهم الصغيرة. أما في فيلم “القدر الأعمى” (Blind Chance)، ففيتك بالفعل يعرف ما يريد، لكن القدر يأخذ من المحطة مساحة للتلاعب به، فيجعل من عدم لحاقه بالقطار نقطة ستنحرف بعدها حياته لمساراتٍ أخرى.

ربما يتخذ الفن من القطار وقضبانه الرمزية الأكثر وضوحًا حول مفترقات الطرق التي تواجهنا في الحياة، لكن في وجودنا العادي، تقابلنا عشرات من تلك المفترقات في كل يوم دون أن تتخذ الشكل المادي للمسار المتشعب. ففي العصر الحديث، صرنا نملك رفاهية الاختيار في كل شيء تقريبًا، لكن تلك الرفاهية لم تجلب لنا سوى مزيد من الحيرة، ولم تزدنا سوى ثقل المسئولية؛ ففي كل قرار نتخذه، لم يعد هناك من نلم سوى أنفسنا. علينا أن نمشي الطريق لآخره لنعلم إلام سينتهي، عاجزين عن معرفة ما الذي كان سيحمله لنا المسار الموازي.

أما في الفن، نعالج هذا النقص التراجيدي، فننسج قصص نعرف نهايات كل احتمالاتها. فعندما وقف نيمو عند المحطة لا يعرف بعد إن كان سيذهب أم يبقى، اختار الفيلم أن يتبعه في الحالتين؛ وعندما لهث فيتك وراء القطار تتلاعب به الصدف، اختار الفيلم أيضًا أن يتبعه في حالة لحق القطار، وفي حالات لم يلحقه.

يعطينا نيمو خلاصة الحيوات المتفرقة التي عاشها عند النهاية ويقول: “كل طريق هو طريق صحيح، كل شيء كان يمكن أن يكون أي شيء ويحتفظ بنفس القدر من المعنى”. وفي فيلم “القدر الأعمى” أيضًا، يختار كيشلوفسكي الحل الأكثر رومانسية، بمثل رومانسية مقولة نيمو، ويُنهي كل المسارات بالنهاية نفسها. و في كلا الفيلمين نستطيع أن نلمح ميلنا نحن البشر لجعل القصص بمثل التناغم الذي كنا نحلم أن تكون عليه حياتنا، ميلنا لطمأنة أنفسنا أننا في كل لحظة اخترنا شيء عوضًا عن آخر، لم نفوّت شيئًا على الإطلاق، فعلى كل حال ستنتهي كل المسارات بنفس النهاية وتحمل لنا قدرًا متساويًا من السعادة والشقاء.

ويبقى أقرب شيء للواقعية هو ما قاله ميلان كونديرا في روايته: “كائن لا تحتمل خفته”: “الحياة الانسانية لا تحدث إلا مرة واحدة فقط، ولن يكون في وسعنا أبدا أن نتحقق أي قرار هو الجيد وأي قرار هو السيء، لم تعط لنا حياة ثانية أو ثالثة أو رابعة حتى نستطيع أن نقارن بِحَيوات سابقة ولا أن نصلح ما أفسدنا في حيوات لاحقة”.

بواسطة
Maha Fagal
الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى