فن وسينما

كيف أثرت “مي تو” بالسلب على عالم السينما والمسلسلات؟

كيف أثرت “مي تو” بالسلب على عالم السينما والمسلسلات؟

ما هي “مي تو”؟

في أواخر عام 2017، ظهرت حملة إلكترونية تسمى “Me Too” أو “وأنا أيضاً”، شاركت فيها النساء من حول العالم، قصص حول تعرضها لحالات الاعتداءات والتحرش الجنسي.
الأمر بدأ عندما نشرت مجلة “نيويورك تايمز”، تقريراً حول عشرات النساء اللاتي اتهمن المنتج السينمائي المعروف، “هارفي وينستين”، بالتحرش أو الاعتداء الجنسي أو الاغتصاب على مدى 30 سنة على الأقل.
وبعدها بفترة وجيزة، شاركت العديد من نجمات هوليود، قصص اعتداءات مشابهة على وسائل التواصل الاجتماعي، وكل قصة كانت تنتهي بهاشتاج #مي تو.
بعد بفترة انتشر المصطلح، انتشاراً عالمياً وتوسع من الممثلات والنجمات، ليشمل مشاركات من كل نساء العالم حول تعرضهم للاعتداءات.
كان للحملة أثر مدوي في العالم كله، ايجابياً وسلبياً، ليس فقط على مستوى الإعلام، بل وايضاً، على السياسة والاقتصاد والتعليم والرياضة والصحافة والعديد من الأمور الأخرى.
لكننا هنا سنركز على التغير الذي أحدثته الحملة بالسلب على صناعة الأفلام والمسلسلات، وذلك من عدة نواحي:

1- المحتوى وطبيعة المواضيع المقدمة:
واكب مع ظهور حملة مي تو، تفاقم ظاهرة الصوابية السياسية، والتي تعني بتجنب اللغة أو السلوك، الذي يمكن اعتباره استبعاد أو تهميش، أو إهانة مجموعات من الأشخاص، ممن يعتبرون محرومين أو مميِّزين ضدهم، مثل ملونين البشرة والمثليين، والمتحولين جنسياً وبالطبع، النساء.
هذه الظاهرة وإن كانت نقية النية، لكنها أصبحت تثار بشكل مقحم في طبيعة الأعمال الفنية، كأنها يجب أن تفرض فرضاً حتى ينال العمل الكارت الأخضر للصنع.
وهذا الفرض ليس فقط فيما يتعلق بأعمال معينة، بل بكل الأعمال، سواء كانت تجارية، كما حصل في إعادة إنتاج أفلام ذات أبطال ذكور بشخصيات نسائية، بدل من صناعة محتوى جديد غير ممسوخ، مثل أفلام، “Ghostbusters” أو “صائدات الأشباح” و”Ocean 8″ أو “أوشين 8″، أو بإضافة خطوط فرعية مقحمة ومفتعلة في أفلام مثل “Beauty and The Beast” أو “الجميلة والوحش” و”Avengers: Endgame” أو “أفينجرز: نهاية اللعبة”.
وحتى في الأفلام الفنية، مثل “Moonlight” أو “مونلايت”و”Green Book” أو “الكتاب الأخضر”و”The Shape of Water” أو “شكل الماء”، وغيرهم.
المشكلة هنا أن الإقحام عندما يأتي مباشراً في الفن، فهو يأتي بنتيجة عكسية، بحيث لا يتلقاه المشاهدين، بشكل إيجابي، لشعورهم بأنه ما يروه غير حقيقي، وبالتالي فأن الهدف من الظاهرة، أي التوعية، لن يتحقق أصلاً، بل أنه يؤدي إلى نفور المشاهدين عن هذه الأعمال من الأساس.
بل إن الأمر أصبح مثار سخرية بين الجمهور، من تلك الإضافات لدى أعمال نتيفلكس مثلا، حيث يرى المشاهدين أنها تفرض سياسية وجود شخصية مثلية، في كل عمل مهما كانت طبيعته.
على الجانب الآخر، هناك أعمال نجحت في التعبير عن تلك القضايا، ولكن ليس بشكل مقحم، لأنها كانت أساس الدراما في أعمال مثل “Call Me by Your Name” أو “نادني بإسمك” و”روما”، ومؤخراً، أفلام مثل “Portrait of a Lady on Fire” أو “لوحة سيدة تحترق”، أو مسلسل “The Morning Show” أو “عرض الصباح” الذي بدأ بثه مؤخراً على منصة آبل، ويحكي قصة حقيقة عن طرد مذيع بعد إثبات قضية تحرش عليه.
ليس هناك ما هو ممنوع في الفن، بشرط أن يأتي بشكل صادق وأصيل من طبيعة الحكاية وأبطالها، وليس بالإقحام، لإرضاء الاتجاه السائد.

2- اختيار أطقم فريق العمل:
لسنوات كانت صناعة السينما، يهيمن عليها الرجال في كل الفروع تقريباً، الإخراج، الكتابة، التصوير، المونتاج، هندسة الصوت وغيرها. وذلك كان حجة المطالبين بالمساوة بين نسب الرجال والنساء داخل أطقم فريق العمل الفني.
للتوضيح فأن نسبة النساء من قبل لم تكن منعدمة ولكنها أقل بكثير من الرجال، خاصة في فروع الإخراج والتصوير وهندسة الصوت، لكن النسب تقريباً متساوية، في فروع الإنتاج، والمونتاج، وتميل أكثر ناحية النساء، في فروع تصميم الديكور والملابس.
ولكن المتحججون يغفلون هنا أن الوسيط السينمائي من الأساس، ليس مثار اهتمام كثير النساء، وهذا ليس تقليل ولكنها وقائع، فمجالات مثل العلاقات العامة، والصيدلة، والكتابة، والغناء، والكتابة، والتمثيل وتصميم الأزياء وأنواع معينة من التصوير الفوتوغرافي، هي مجالات يهيمن عليها العنصر النسائي، ولذلك فأن تفاوت نسبة الرجال والنساء في أي مجال، تكون في الغالب، اختيارية، حسب أهواء وميول، والأهم، موهبة كل شخص، ولا علاقة للأمر بجنسه، ولإثبات ذلك، فصحيح أن مخرجي الأفلام الروائية الذكور أكثر من الإناث، لكننا سنجد النسبة تقريباً متساوية في الأفلام الوثائقية، فالأمر هنا اختياري بالكامل.
ونتيجة فرض نسب معينة هنا، تكون عكسية، تماماً كالرفض على المحتوى، وذلك لسببين، الأول، لنفترض أنه تقدم عدد كبير من الرجال لوظيفة، مقابل عدد أقل من النساء، والعدد الذي سيتم قبوله محدد، فاذا أردنا أن تكون النسبة متساوية، وقبلنا كل النساء، فأننا بنسبة كبيرة قد نظلم عدد من الرجال الموهوبين.
والسبب الثاني، هو أن المساواة هنا هي إجراء شكلي بغرض إرضاء الرأي العام ليس إلا، فما ادرانا ما قد يحصل في الكواليس، فالعقليات كما هي، وربما يكون هناك “هارفي وينستين” آخر، يستغل هذه الحجة، للاستغلال النساء الاتي يبحثن عن فرصة.

3- الاهتمام الإعلامي من ناحية الآراء والجوائز:
منذ الصدى المدوي لمي تو، أصبحت هناك اعتراضات، على عدم وجود اهتمام كافي بالأفلام التي يصنعها مخرجات سيدات، وأصبحنا نرى هجوماً إذا لم يوجد على الأقل اسم نسائي واحد ضمن الترشيحات أو الجوائز، وهذا الأمر لم يقتصر على جوائز الأوسكار الأمريكية، بل حتى أنه امتد إلى مهرجانات السينما العريقة، ككان وفينيسا.
فأصبحنا نرى قوانين تفرض تساوي نسب مشاركة الأفلام من الجنسين، في كل عام، وهو قرار متعنت وظالم، يحيل القيمة الفنية جانباً وينظر إلى شخص صانع الفيلم بدلاً من قيمة فيلمه الفنية. والمشكلة هنا، أن الأمر مجدداً، مجرد بريوقراطية لإرضاء الرأي العام، ففي العام الذي رأينا فيه ترشح “جريتا جيوج” لجائزة أفضل مخرج على حساب مخرجي أعمال أفضل مثل “لوكا جوادجينيو”، و”دارين أرنوفسكي”، أو حتى “لاين رامزي”، مع أنها هي الأخرى، مخرجة أنثي، لكنها لم تحصل على الدفع الإعلامي، كمثيلتها جيروج، فالتقدير جاء بسبب شخصها، وليس بسبب صناعتها للفيلم الأفضل.
وللإنصاف هنا، فأن التقدير المبالغ فيه ليس فقط لأعمال المخرجات النساء، بل للأعمال التي توافق الصوابية السياسية عامةً.
من المعروف في عالم السينما، أن الفيلم يحسب لمخرجه، ولذلك بالتأكيد من يحصد جائزة أفضل مخرج، يستحق فيلمه أن يحصل على جائزة أفضل فيلم، لكن هذا الأمر نادر الحدوث في الأوسكار، وآخر نموذج على ذلك، كان فوز كل “داميان شازال”، و”ألفونسو كوارون” بجائزة أفضل مخرج، وعدم فوز أفلامهما بجائزة أفضل فيلم، وقد حصل هذا مرتين مع “كوارون”، حيث خسر فيلمه “Gravity” أو “جاذبية” أمام فيلم “Twelve Years a Slave” أو “عبد لاثني عشر عاماً” في عام 2013، وتكرر الأمر معه العام الماضي، حيث خسر فيلمه “روما” امام فيلم “الكتاب الأخضر”، أما شازال، فقد خسر فيلمه “لا لا لاند” أمام “مونلايت” في عام 2016، والقائمة تطول، فالموضوع يتكرر كل عام تقريباً لدرجة جعلت جوائز الأوسكار، يمكن توقع جوائزها بدون مشاهدة الأفلام من الأساس، فقط بمعرفة مواضيعها.

ومن اللافت للنظر أن الثلاثة أفلام التي كسبت الجائزة تمحورت حول العنصرية ضد أصحاب البشرة الملونة، وفيلمان منهما، تناولا المثلية الجنسية، ولذلك، فبالتأكيد فوز هذه الأفلام بجائزة أفضل فيلم، لم يأت بمحض الصدفة، وإنه كان هناك معايير أخرى غير المعيار الفني.
وحتى مهرجانات السينما الكبرى مثل كان وغيرها لم تنج من الوقوع في هذه الفخ، فجائزة بعراقة السعفة الذهبية تم منحها في الأعوام السابقة لأفلام يكاد لا يتذكرها أحد، أيضاً بسبب توافقها مع أجندة الصوابية السياسية، أفلام مثل،”Blue is The Warmest Color” أو “الأزرق أدفأ الأوان”، الذي تناول علاقة مثلية بين فتاتين، و”Dheepan” أو “ديبان”، الذي تناول قضية الهجرة، و”I, Daniel Blake” أو “أنا، دانيال بلايك” الذي تناول تعسف الرأسمالية.

نقطة أخيرة
ليس هناك شك أن الإعلام والأفلام الجماهيرية بالتحديد، قامت بظلم العديد من الفئات المهمشة على مدار سنوات، لكن الحل ليس الفرض، بل بضمان إعطاء فرص متساوية للتعليم لكل الأفلام، وليس بفرض اختيار أفراد أو تفضيل أعمال بيعنها، بل إتاحة فرصة الاختيار لكل شخص، بغض النظر عن جنسه، ليتعلم ويبرع فيما يريد، وبعدها فأن موهبته وكفاءته، هما سيؤهلانه للتوظيف، وهما المعيار الوحيد.
أما عن “مي تو”، بالتأكيد أنها فتحت الأعين لكثير من المضايقات والاعتداءات التي تعرضت لها النساء على مدار عقود، لذلك، فمن الضروري أن يتم حفظ حقوقهم، أولا، عن طريق فضح أي متحرش أم معتدي، ولا تضطر أي ضحية للسكوت خوفاً من نفوذ ذلك المعتدي، وإن يتم كتابة عقود مفصلة تضمن، لهم حريتهم بحيث لا يفرض عليهم فعل أي شيء، بعد ذلك بحجج واهية.
لكن من ناحية أخرى، لا يجب أن يؤثر أية معايير غير فنية، على السينما والفن، فقط لإرضاء بيروقراطية معينة، لن تكون نتيجتها سوى ظلم فئات أخرى، فجمال السينما من الأساس، يكمن في كونها فن يسمح لنا بأن نرى نشعر ونتقبل، كل البشر، بكل ما بهم من اختلافات، عرقية، دينية، أو جنسية، ولذلك فيجب ألا نجرد السينما مما يميزها، وألا نتعامل معها باعتبارها وسيلة توعية أو ضغط أو فرض بيروقراطية معينة.

بواسطة
مازن فوزي
الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى