معرفة

كيف يساعدنا المشي على الإبداع والتفكير؟

كيف يساعدنا المشي على الإبداع والتفكير؟

في أول خطوة لنا في الطريق، يبهر نور شمس الصباح الناعم في صباح شتوي العين المعتادة على الإضاءة الصناعية الباردة، ويشعر الجسد بالانتعاش عندما تلفه النسمات الرقيقة بعيدًا عن هواء الغرف المُغلقة الراكد. عندما نحرر عقولنا وأجسادنا من المسارات والأماكن التي طرقناها مرارًا، عندما نعطي أقدامنا الحرية لتسير حيثما تريد، تتبعها أفكارنا سريعًا. يصبح صوت خطواتنا الإيقاع الذي تنتظم خلاله ما يراودنا من خواطر، خواطر تختلف كثيرًا عن تلك التي كانت تأتينا في المسارات المعتادة. فمع اختلاف المحيط، يلف الانتعاش أنفسنا في البداية، وعلى امتداد الطريق، يصير ذلك الانتعاش إلى سكون متأمل ينظر للأشياء بأعين جديدة.
لذلك، اعتاد أدباء وفلاسفة وشعراء على غرار ثورو وفريديريك نيتشة وويليام وودرسوورث على السير لساعات طويلة كل يوم في الطبيعة ــــــ حتى أن أخت الأخير عندما سُئلت عن مكان مكتب أخيها أشارت للأفق حيث الخضرة والأشجارـــــ وفي سيرهم هذا، كان أن واتتهم أفضل أفكارهم.

يقول نيتشة: “لا تُصدق أي فكرة لم تولد في الهواء الطلق أثناء التحرك بحُرية، الجلوس ـــ قلتها مرة وسأكررها ثانية ـــــ هو أكبر خطيئة”. فوفقًا لكتابات نيتشة، وتعليقات أستاذ الفلسفة فريدريك جروس عليها في كتابه “فلسفة المشي”، الأفكار الطازجة هي وحدها تلك التي تولد خارج حدود الحوائط، حيث الأفق الممتد، وحيث الجسد يسير وتتدفق معه الأفكار في حيوية وانتعاش. يقول نيتشة: “نحن لا ننتمي لأولئك الذين لا تأتي أفكارهم سوى من الكُتب. فمن عادتنا التفكير في الخارج ـــــ سائرين، قافزين، مُتسلقين، راقصين، وياحبذا لو كان هذا عند جبالٍ وحيدة، أو بالقرب من البحر، حيث آثار الأقدم نفسها تقف كشواهد متأملة.” فالأفكار التي لم تغسلها أشعة الشمس ولم تطوقها نسمات الهواء، الأفكار التي ولدت من أفكار أخرى هي ليست سوى إعادة تدوير لها، تصير عطنة كالغرف المغلقة التي أنجبتها.

تظل تلك العلاقة ما بين الخطى والأفكار شيء يبدو حالمًا تمامًا، عصيّ على التفسير ربما إذا ما ابتعدنا عن لغة العلم الجامدة. لكن ريبيكا سولنيت، في كتابها “تاريخ المشي”، تحاول أن تضوغ ذلك التفسير عبر مجاز رقيق تُعبر خلاله عن التآلف الناعم بين الفعلين، وتقول: “يُوّلد إيقاع المشي نوع من إيقاع التفكير، حيث المرور عبر المساحات يُحفز ممرات موازية عبر الأفكار. يخلق هذا تناغم غريب بين الممرات الداخلية والخارجية، تناغم يشير إلى أن العقل أيضًا هو، نوعًا ما، مساحة، وأن المشي هو طريقة لقطع تلك المساحة. فكثيرًا ما تبدو الفكرة الجديدة لنا وكأنها مَعلم في تلك المساحة، معلم كان هنالك منذ البداية، وكأن التفكير هو عبارة عن سفر نصل عبره لذلك المَعلم، وليس خلق له من لا شيء.”

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى