معرفة

لماذا نميل لتوثيق حياتنا على الإنترنت؟

لماذا نميل لتوثيق حياتنا على الإنترنت؟

“أنا مش عارف إيه اللي يخلي الواحد يصحي الصبح بدري والنهاردة إجازة”.

واحدة من الجمل الشهيرة التي يشاركها الكثيرون على حساباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي على اختلافها، كشكل من أشكال المشاركة مع الأصدقاء والمتابعين، وهي في الحقيقة جملة تحمل في طياتها الكثير من السخرية والضحك، وتحمل كذلك غرضاً مشابهاً هو تلقي الإجابات الممتلئة بالبسمة والسخرية كذلك من البقية.. هذه في الحقيقة هي واحدة من طرق التفاعل البشري الخاص بالحياة الشخصية، والذي يضحي المستخدم بجزء من خصوصية حياته الشخصية، لإشباع غرض ما، ربما سيكون من الجيد محاولة التعمق بداخله.

أكثر من مجرد جمل
هكذا يمكن أن ننظر نحو الأمر بصورة أكثر تعمقاً من مجرد جملة ساخرة أو مضحكة، في انتظار استمرار التفاعل البشري معها، فذلك النوع من المشاركات وفي كثير من الحالات ما هو إلا جزء من حالة عامة يقوم بها الكثيرون، ألا وهي مشاركة تفاصيل الحياة الشخصية بشكل عام على صفحات الإنترنت، بداية من المنشورات المكتوبة، انتقالاً في مراحل متقدمة إلى مقاطع الفيديو وحالات الواتساب وإنستجرام وفيسبوك، والتي تحمل في كثير من الأحيان مقطع فيديو لبداية اليوم بعد الاستيقاظ، وأخر للوصول إلى العمل بالسيارة وربما في نهاية اليوم، لمشاركة العديد من المشاكل التي مرت على صاحبها خلال اليوم، ليأتي وقت السؤال، كيف يمكن أن نصنف هذه الحالة من مشاركة الحياة الشخصية بصورة الكاملة، ولماذا تحدث؟
احتياج أن تكون مرئياً.. الجملة في حد ذاتها بالنسبة للكثيرين يمكن أن تتحول إلى مسبة أو إهانة، فالتعبير الشائع عن ذلك النوع من الاحتياجات هو Attention whore وهي في كثير من الحالات تكون حقيقية وشائعة، لكن احتياج الإنسان لأن يكون مرئياً هو في الحقيقة احتياج حقيقي وطبيعي بل ويشكل جزء من الطبيعة البشرية التي خلق البشر بها، ومثلما تختلف حجم الاحتياجات المعتادة بالنسبة للبشر، فاحتياج من حولك للطعام والشراب وإشباع الشهوة والنوم، أمر نسبي يختلف من فرد لأخر، يختلف كذلك حجم الاحتياج البشري ليكون مرئياً، وأن يرى الأخرون ما يقوم به بل ويظهرون الثناء والتقدير كذلك لما يقوم به، وهو احتياج على قدر ما هو مهم للغاية العمل على التحكم في إشباعه، على قدر ما يمكن أن يكون خطراً المبالغة في الاهتمام بتحقيقه وفتح المجال أمامه.
فكل الاحتياجات البشرية بوجه عام، لابد وأن تخضع للتحكم حتى لا تخرج نتائجها عن المرغوب أو المألوف.

توثيق أم حياة بديلة
في تلك اللحظة التي خرجت فيها مطاعم الوجبات السريعة بصورتها الأكثر انتشاراً حولنا، فكانت بمثابة البوابة لمحبي الطعام، حتى يطلقوا العنان لرغبتهم كل يوم للحصول على وجبة بديلة لطعام المنزل، كانت منصات التواصل الاجتماعي هي بوابة المشاركة النهمة التي حصل عليها الجميع بالمجان وبسهولة، فبنقرة واحدة صار لديك مدونة كاملة تتيح مشاركة كافة أنواع المحتوى بصورة مجانية، مرتبطة كذلك بالتفاعل البشري والردود، وهو أقصى ما يمكن أن يتمناه المشارك في هذه اللحظة، ليزداد النهم شيئاً فشيئاً.
واحدة من الأمور المتعلقة بذلك النهم، هو الطبيعة الخفية التي يحصل عليها المستخدمون عبر صفحات الإنترنت، فالأمر لا يتطلب أكثر من الجلوس خلف الشاشة وتقديم هوية محددة يرى المستخدم فيها الصورة المثلى لنفسه، والتي يمكن أن تكون مغايرة تماماً لحقيقته وواقعه، وذلك في سبيل السير في طريق الحصول على القبول والاهتمام من الأخرين.
من هنا يبدأ نمط الحياة البديلة في التشكل أمام المستخدم، فابتكار هوية جديدة وطريقة معينة في الحديث ونمط محدد في التعامل، ليس بالأمر الصعب على صفحات المنصات الاجتماعية، لكن ذلك على سهولته، يبدو في المستقبل القريب باباً مفتوحاً لتشوش الذهن، والانغمار بصورة أكبر في نمط غير حقيقي، يجعل المستخدم، وكأنه شخصين كلاهما يبحث عما يشبع احتياجه البشري، لكنه لا يعرف حقاَ ما يريده.

نظرة مقربة عبر الأرقام
لطالما كانت الأرقام والإحصاءات التي تقدمها الدراسات واحدة من أهم المداخل التي يمكن الوصول من خلالها إلى صور أكثر قرباً للموضوع محل النظر والتساؤل، وفي الحقيقة لم تبخل علينا الدراسات فيما يخص تعامل المستخدمين مع منصات التواصل الاجتماعي من ناحية الخصوصية التي يجب أن تتمتع بها حياتهم وبياناتهم بشكل عام.
تشير الدراسة التي أجراها مركز PEW للأبحاث والدراسات عام 2018 إلى تصاعد كبير في الأرقام المرتبطة بمشاركة أحداث الحياة الشخصية عبر الإنترنت، فقد كشفت الدراسة أن حوالي 44% من الخاضعين للدراسة ينشرون أموراً متعلقة بالأسرة والأحداث التي تمر بها عبر منصات التواصل الاجتماعي.
فيما ذكر 34% من الخاضعين للدراسة أنهم ينشرون عبر حساباتهم على منصات التواصل الاجتماعي، منشورات تتعلق بمشاعرهم وبما يواجهونه من أفكار خاصة، كشكل من أشكال التعبير والحصول على التفاعل البشري من الجمهور.
وبقدر ما يمكن أن تكون تلك الأرقام صادمة ومعبرة عن حقيقة التصاعد الواضح في عدد الراغبين في الحصول على واقع خاص، يمكن من خلاله الحصول على نوع مطلوب للغاية من المشاعر، وذلك عبر توثيق المشاعر الإنسانية والمواقف العامة على الإنترنت كشكل من أشكال التسجيل واسترجاع المشاعر، إلا أن ذلك يكشف أيضاً عن حجم الوحدة الأسرية الذي يعانيه أبناء هذه الفئة، والذي يستدعي مزيداً من البحث والتنقيب داخل الطبيعة النفسية المؤدية لذلك التحول الهام في شكل التعبير عن المشاعر، والآن يأتي وقت السؤال.. في أي فئة من مقدمي المشاعر عبر الإنترنت ترى نفسك.. متحفظاً أم منفتحاً على إخبار الجميع بكل شيء.

بواسطة
إسلام كفافي
الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى