العالم

لماذا يعد انتهاء الأزمة الخليجية خبرا جيدا؟

لماذا يعد انتهاء الأزمة الخليجية خبرا جيدا؟

الأمر حقيقي وجاد هذه المرة. هكذا يمكن تلخيص ما يقال ويتداول عن قرب انتهاء الأزمة الخليجية، خاصة بعد الكشف والتأكد من قيام مسؤولين سعوديين وقطريين كبار بتبادل الزيارات مؤخرا، ما يعني أن الأمر تجاوز مرحلة الوساطة الكويتية والأمريكية وبات محل نقاش وتفاهمات مباشرة.

الحقيقة أن انتهاء هذا الملف، (كلمة انتهاء هنا مجازية بالطبع لأن ما حدث في يونيو 2017 لا يمكن إنهاء تداعياته الاستراتيجية ولا يمكن عكسها)، يعد خبرا جيدا من وجهة نظري للأسباب التالية:

أولا: قامت الأزمة الخليجية أساسا بهدف إخضاع قطر للسعودية والإمارات، وتحويلها إلى “بحرين” أخرى. كان ثمة قرار سعودي-إماراتي بضرورة إنهاء الدور القطري الإقليمي الذي دائما ما يتبنى خيارات تخالف الأجندة السعودية الإماراتية خاصة فيما يتعلق بالموقف من الربيع العربي. كان الموقف القطري على العموم داعما أو مرحبا أو حتى غير معاد لحركة التغيير في البلدان العربية؛ علي العكس من المعسكر الآخر الذي اعتبر الثورات بحد ذاتها وبغض النظر عن القوى التي تحركها تهديدا يجب وأده والتصدي له إقليميا. رفعت السعودية والإمارات ثم مصر راية الدفاع عن النظام العربي القديم بينما لم تبد قطر تخوفا من التغيرات القادمة ورأت أنه يمكن الاستفادة منها. الآن يمكن القول دون تردد أن هذا الهدف فشل بصورة فادحة. أصبحت قطر على المستوى الاستراتيجي أكثر استقلالا اقتصاديا وسياسيا وأمنيا وعسكريا عن السعودية، وبصورة لم يتخيلها القطريون يوما وربما لم يتوقعوا أنها ممكنة بهذه الصورة. أي مصالحة أو تسوية لا يمكنها أن تعكس عقارب الساعة في هذا الصدد خاصة وأن ما انهار من رصيد الثقة في بن سلمان لا يمكن بناؤه مجددا ولا يتصور أن ترجع الدوحة من جديد إلى ما كانت عليه قبل يونيو 2017.

ثانيا: استهدفت دول الحصار وقف أي دعم قطري لقوى التغيير أو الإسلاميين خاصة الإخوان وحماس. وبالفعل نتيجة الاتفاقات التي وقعتها قطر مع الولايات المتحدة والضغوط التي واجهتها من تحالف اللوبييات الصهيونية والسعودية والإماراتية صارت أكثر تشددا في سياسات التمويل والتبرعات والتعامل مع المؤسسات الخارجية خاصة الفلسطينية. لكن هذا لن يؤدي بأي حال لتعطيل حركة التغيير، ولن يوقف أنشطة المعارضة أو الثوار في ساحاتهم أو المقاومة في أنفاقها. في الواقع يفترض من يتخوف من هذا أن الثورات أطلقتها قطر وأنه بتراجع دعمها لها أو لقواها ستنتهي الثورات، وهذا تصور خاطئ تماما. قراءة سريعة للتاريخ الحديث تكشف أن السعودية نفسها كثيرا ما دعمت أو سهلت تمويل قوى خارج حدودها، والآن تحاربها وتعتبرها إرهابية. عندما تخلق من العدم ظاهرة فارغة مثل تمرد أو تمول مؤسسة إعلامية صغيرة، حينها يكون التمويل ليس فقط المقوم الوحيد للبقاء بل هو سبب الوجود أصلا؛ لكن عندما نتحدث عن حالة المقاومة، أو ظاهرة الثورات الشعبية، أو قوى اجتماعية وسياسية عمرها أطول من عمر بعض هذه الدول، سيكون من المبالغة حقا، ومن العبث، تصور أن وقف بعض الدعم المالي أو الإعلامي كفيل بإنهائها.

ثالثا: وهو مرتبط بأولا؛ ويتعلق بالتحالف التركي القطري. هل سينتج عن المصالحة الخليجية أي تراجع في مستوى هذا التحالف؟ هل يتصور أن تعتقد الدوحة أنها صارت آمنة ولا داعي لهذا التحالف الذي يثير حفيظة “الأشقاء”؟ هذه الأسئلة وغيرها إجاباتها أوضح من أن يتصور أن تحظى دول الحصار بتنازل قطري في هذا المسار.

رابعا: إذا فيما يتعلق بحسابات الدول فليس من المتوقع أن تجني دول الحصار مكاسب حقيقية من هذه المصالحة، ولا من استمرار الأزمة. لهذا السبب أصلا لم تكن مهتمة بإنهائها، ولولا أن السعودية باتت في أضعف حالاتها إقليميا على خلفية المواجهة مع إيران وحيدة تقريبا، وملف اليمن وخيانة الإمارات لها والطلب الأمريكي المتكرر بإنهاء الأزمة، لولا ذلك لاستمر الحصار عقود تالية ولأصبح هو الوضع الطبيعي. لكن على مستوى الأفراد ثمة معاناة اجتماعية وأسرية متراكمة. أسر تفرقت وربما تمزقت، وأحقاد بين الشعوب تتجذر دون سبب حقيقي اللهم إلا السياسات العبثية والساسة المغرورين الأغبياء.

المستفيد الحقيقي من انتهاء هذه الأزمة العبثية هو شعوب دول الخليج، وربما العمالة المصرية في قطر بنسبة لا يتوقع أن تكون كبيرة. في حين ستكون التغيرات السياسية محدودة تقتصر على تهدئة الخطاب الإعلامي وتغيير بعض الوجوه.
أي “عقلنة” للصراع القائم في المنطقة ستكون مفيدة للعقلاء.

بواسطة
Ammar Fayed
الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى