مصر

هل فعلاً مصر بتقترض بتهور؟

اقرأ في هذا المقال

  • تراكم الديون شيء سلبي، وكتير من الدول دخلت أزمات كبيرة بسبب الإقتراض غير المحسوب والمستمر من حكوماتها، وللأسف الديون دي بتتحملها الأجيال القادمة، عشان كده الحكومات بتتقيم بمدى قدرتها على الإنفاق والإستثمار وعدم توريط بلدهم بقروض كتيرة تزود العبء على أي حد بعدهم.

هل فعلاً مصر بتقترض بتهور؟

الأسبوع اللي فات وقبل اجتماعات صندوق النقد الدولي في واشنطن اللي بتتم الأسبوع دا، الحملة العالمية لاسقاط الديون ، Jubilee Debt Campaign أصدرت بيان بتقول فيه أنه صندوق النقد الدولي تورط في إقراض دول عندها مشاكل اقتصادية بالأساس وبعضها لا يمكنه سداد ديونه، وده اطلقوا عليه “الإقراض المتهور”
– من ضمن الدول اللي اتكلمت عنها الحملة كنموذج “للإقراض المتهور” ده هيا مصر، والحملة اعتبرت ان اجمالي حجم الديون المتهورة بالعالم من صندوق النقد بلغ 93 مليار دولار، وبتطالب بمراجعة أو اسقاط أجزاء من الديون دي.

 

ليه الإقراض المتهور خطر؟

– صندوق النقد الدولي عنده كود داخلي- على الأقل على الورق- بعدم إقراض الدول المتعثرة في تسديد الديون، لأنه دا نظريا بيفتح الباب لمزيد من الاقتراض عشان تسديد الديون القديمة، وده ليه تأثيرات اقتصادية سلبية.
– لكن صندوق النقد تجاوز الكود الداخلي دا أكثر من مرة، آخرهم القرض اللي اداه الصندوق للأرجنتين السنة اللي فاتت ب 56 مليار دولار عشان الأزمة الاقتصادية اللي بتعيشها دلوقتي، رغم إن الأرجنتين أزمتها الإقتصادية مستمرة من سنين ومش واضح إن في ملامح للتعافي.
– الإقراض المتهور دا مع الوقت بيخلي في صعوبة عند الدول في السداد، بالتالي أزمة ديون سيادية كاملة زي اللي حصلت في اليونان من سبع سنين، واللي أنتجت أزمة اقتصادية شاملة كانت ممكن توقع منطقة اليورو كلها، وإضطرت اليونان للتخلص من “أصول” عشان أزمة الدين.
– الإقراض المتهور دا أيضا بينعكس بشكل كبير على تمويل الخدمات العامة زي التعليم والصحة وغيرها لأنه نسبة كبيرة من موارد الحكومة اللي جايه من الضرائب.
– وللسبب ده حملات زي إسقاط الديون كانت في الأساس معمولة لصالح تنازل بريطانيا وبعض الدول عن ديون إدتها لدول فقيرة إقتصاداتها مش قادرة تتعافى في مقابل تطبيق برامج للحد من الفقر، وحصل بعد ثورة يناير محاولات من بعض الإقتصاديين والحقوقيين والمجتمع المدني عن طريق تنظيم حملات والتعاون مع حملات إسقاط الديون برة والتواصل مع نواب برلمان في أكتر من دولة، على إعتبار إن القروض اللي كان بيوقع عليها نظام مبارك مكانتش بإرادة شعبية لكن المحاولات دي لم تنجح.
 

هل مصر حصل فيها إقراض متهور من صندوق النقد؟

– كفاية نعرف رقم واحد هوا إن الدين الخارجي حاليا في مصر حوالي 106 مليار دولار يعني تقريبا 37 % من الناتج المحلي الإجمالي في مصر، بينما الرقم سنة 2014 كان 41.3 مليار دولار. يعني بآخر 5 سنوات فقط مصر أخدت قروض أكتر بكتير من اجمالي كل القروض المتراكمة طول تاريخها!!

– بحسب تصنيف الحملة القرض اللي خدناه من صندوق النقد الدولي في 2016 ، واللي كان 11.8 مليار دولار، هو دين مستدام، يعني يمكن تسديده، ولكن هو برضه دين فيه خطورة كبيرة لأنه الاقتصاد المصري أصبح مدمن على الديون بدون بوادر لتعافي اقتصادي كبير خاصة في موارد العملة الصعبة.

– تكاليف خدمة الدين الخارجي المصري بتمثل 26 % من الموارد الكلية للحكومة سنويا، و 27 % من كامل الصادرات اللي بتصدرها مصر.

– كل دا كلام عن الدين الخارجي فقط، لو ضمينا الدين المحلي هتصبح فوائد الديون في الموازنة الحالية حوالي 569 مليار جنيه، يعني تقريبا 36 % من مصروفات الحكومة كلها السنة دي، ونسبة الدين العام في مصر اللي هو الدين الخارجي + الدين الداخلي تتخطى 86 % في موازنة العام الحالي.

– بالرغم من ده فالمسؤولين في مصر زي محافظ البنك المركزي طارق عامر، ووزير المالية محمد معيط بيأكدو بشكل دائم على إن مصر في الحدود الآمنة للإقتراض الخارجي ومعندناش أزمة.

– طبعاً الكلام ده لايعني إن فكرة الاستدانة والقروض في حد ذاتها سيئة، لأن معظم دول العالم بتقترض من دول أخرى أو من مؤسسات دولية، لكن الفكرة في مدى الاعتماد على القروض وخطط السداد وخطط إصلاح الإقتصاد اللي بتتم وده اللي هنشرحه في باقي البوست.

 

ايه الخطورة في إرتفاع الدين بالشكل ده؟

– بالتأكيد زيادة نسبة الدين العام من الناتج المحلي هو شيء خطير، وكذلك نسبة الدين الخارجي اللي بنلاقي صعوبة في تسديدة بسبب أنه مفيش طفرات كبيرة في المصادر الدولارية في مصر، تحديدا الصادرات اللي مكبرتش بشكل كبير زي ما كان متوقع قبل التعويم.
– لكن الأهم من النسبة هو تكاليف خدمة الدين دا، اللي هي الفوائد اللي بندفعها على الديون، في مصر الأزمة الكبيرة هي فوائد الدين اللي بندفعها واللي قولنا أنها 569 مليار جنيه السنة دي، بينما أصول الدين اللي هتتدفع السنة دي 375 مليار جنيه، يعني إجمالي 971 مليار جنيه، و عشان نفهم قد ايه دا مبلغ كبير، فالمبلغ ده يساوي 60.6% من الموازنة العامة كلها.

– يعني كل 100 جنيه في الموازنة بيروح منها تقريبا 6 جنيه للديون، دا بينعكس طبعا في إنه الفلوس المتاحة في الموازنة للإنفاق على الخدمات زي التعليم والصحة بيكون أقل، وللسبب ده فالحكومة عشان تقدر تدفع فاتورة فوائد الديون بتقلل من الدعم والمزايا الاجتماعية عشان تقدر تسدد فوائد الدين ومتراكمش ديون أكتر.

– ده بيدخلنا في دائرة مغلقة من الاقتراض عشان نسد الديون القديمة وبالتالي فوائد كبيرة، ودا بشكل كبير بيساهم في تأكل ثمار النمو الاقتصادي، في الثلاث سنين الأخيرة مصر قدرت تحقق نمو اقتصادي جيد، مش كبير، لكن معدلات 4 و 5 % هي معدلات معقولة، لكن دا عمرنا ما حسينا بيه لأنه ثمار النمو دي بتستنزفها فوائد الديون، فضلاً عن أصول الديون نفسها.

– طيب بغض النظر عن حملة إسقاط الديون في زاوية تانية مهمة، وهي إنه آه لحد دلوقتي القروض الخارجية رغم إنها زادت وإتضاعفت خلال حكم الرئيس السيسي لكن نظرياً إحنا لسه في الحدود الآمنة، يعني لسه الدين الخارجي لم يصل لل 60% من الناتج الإجمالي المحلي عشان نقدر نقول إننا في مرحلة خطر.

– لكن المشكلة إنه الإقتراض الكتير والمستمر لو مبيتمش ضخ الفلوس في مشروعات إستثمارية أو تطوير قطاعات بتجيب فلوس بالنقد الأجنبي، زي السياحة أو الزراعة والتصدير أو ظهور إكتشافات زي حقل ظهر مثلاً، ده مع الوقت هيخلي الإحتياطي النقدي عندنا بيقل وبالتالي مع الوقت سعر الصرف ممكن يتغير وبالتالي كلفة الدين هتبقى أعلى نتيجة زيادة الأسعار والتضخم.

 

قبل كده كنا بنتعامل مع ملف الديون إزاي؟

– في فترة الرئيس مبارك مثلاً نقدر نقسم حكمه لما قبل حرب الخليج وما بعدها، قبل حرب الخليج سنة 1991 كان الدين الخارجي 20 مليار دولار، وكانت نسبته للناتج المحلي 150%. وبعد الحرب تم إسقاط 10 مليار دولار من الديون، يعني نصها.

– بعد إسقاط الديون، إعتمدت إستراتيجية غير مكتوبة بعدم الإقتراض السنوي بأكتر من مليار دولار، وإنه الإقتراض ده ميتمش إلا في مشاريع إستثمارية أو إنتاجية تمكن الدولة من السداد، وتقريباً فضلت لفترة طويلة نسبة الدين الخارجي من الناتج الإجمالي المحلي شبه ثابتة.

 

طيب ايه الحلول المقترحة؟

– في حلول عاجلة ممكن نعملها، وفي حلول طويلة الأمد

الحلول العاجلة منها:
1- عشان نقلل فوائد الديون اللي بندفعها واللي معظمها فوائد ديون محلية لازم نعيد التفاوض على أسعار الفائدة على أذون الخزانة، خاصة الديون المحلية اللي بتقترض بيها الحكومة من البنوك في مصر، خاصة أنه المشتري الأكبر لأذون الخزانة والسندات في مصر هي بنوك حكومية زي الأهلي ومصر.
2- تقليل سعر الفائدة اللي يعتبر كبير دلوقتي، الحكومة بتقترض من البنوك بفوائد توصل ل 16 % على أذون الخزانة، ودا سعر فائدة عالي.
3- لازم نعيد تسعير فوائد السندات الدولية اللي بنطرحها، واللي معدلات الفائدة فيها من 5- 7 %، دي عملية صعبة لأنه إعادة التسعير مرتبطة بأسعار الفائدة في الاقتصاد العالمي وخاصة في الدول اللي بتنافس مصر في السوق دا زي الأرجنتين وتركيا وغيرها، لكنها عملية ضرورية.
4- الترويج لطرح السندات “صفرية الكوبون” بدل السندات التقليدية، وده ببساطة يعني إنه الحكومة تطرح السندات دي للإقتراض، لكن بيتم دفع القرض “مرة واحدة” في معاد الاستحقاق بدون فائدة، وده حل جيد جداً لتقليل مخاطر الدين. (وده ضمن خطة الحكومة حسب وزارة المالية 2019).
5- الاتجاه للسندات أو القروض طويلة الأجل بدل من الاستدانة أو طرح سندات قصيرة الأجل بتساهم في زيادة الأعباء، ومبتديش فرصة حقيقية للتعافي الإقتصادي، وإرتفاع التصنيف الإئتماني للإقتصاد المصري دلوقتي نقطة إيجابية تساعد على ده. (وده برضه ضمن خطة الحكومة حسب وزارة المالية 2019).

حلول على المدى الطويل

1- لازم الحكومة تفكر إزاي تبطل تعتمد على الاقتراض لتمويل النفقات بتاعتها، ويتعمل سقف للإستدانة وخطة لتقليل الديون، ربما ده يحتاج قانون وإلتزام معلن من الحكومة قدام الشعب والبرلمان لكن الأهم من كونه قانون إنه يتم تنفيذه فعلاً. ده كمان بيتطلب تغييرات كبيرة في السياسات الاقتصادية في مصر، زي إعادة هيكلة النظام الضريبي المصري عشان يكون أكثر عدالة وأكثر كفاءة على إضافة موارد للموازنة العامة.

2- كمان في ضرورة ملحة جداً لترشيد الإنفاق العام، يعني لازم يتم مراجعة المصروفات في الموازنة العامة، منها بند الأجور ومدى الإلتزام بالحد الأقصى للأجور فعلاً في معظم مؤسسات الدولة، إلى جانب بنود ثانوية كتير مش هنذكر منها غير على سبيل المثال سيارات مواكب بعض المسؤولين، ومباني تانية زي القصور الرئاسية الجديدة، آه مش هما اللي هيحلو الأزمة بشكل نهائي لكن مش من المنطقي إنه الإنفاق ده في غير محله يستمر بدون رقابة أو محاسبة.

3- إتكلمنا من وقت قريب عن تفكير وزارة الكهرباء في بيع محطات سيمنز بما إنه في فائض في إنتاج الكهرباء وفي نفس الوقت فرصة للتخلص من الديون بتاعتها، وده ياخدنا لضرورة إن الدولة متعملش مشروعات أو إستثمارات قبل دراسة الجدوى منها، وبعدها المشاريع يتم الموازنة بين ايه اللي لازم استثمار حكومي وايه اللي ممكن يحصل شراكات مع القطاع الخاص زي نظام ال PPP puplic private partenership، وده هيقلل الإنفاق من ناحية وهيشجع على وجود إستثمارات جديدة مش قروض، وبدون تحكم كامل من المستثمر في أسعار الخدمات أو المنتجات، وده مهم يحصل في كتير من إستثمارات الحكومة.

4- تطوير الهيكل الإقتصادي، بتطوير التصنيع المحلي، والإنتاج الزراعي بغرض التصدير، إلى جانب تطوير ملف السياحة بوصفه مصدر رئيسي للدخل الأجنبي.

5- لازم يكون في دور أكبر لمؤسسات المجتمع المدني الخاصة بتدقيق ومراقبة الديون، واللي موجودة في كل دول العالم وبتشتغل على حملات لإسقاط الديون والديون الكريهة اللي خدتها الأنظمة السابقة والدكتاتورية، واللي رغم صعوبتها إلا أنه بيكون ليها نجاح أحيانا في مراقبة اقتراض الحكومات والتقليل منه. عندنا مثال صغير بس هنفضل نقوله دايماً، وهو قرض مفاعل الضبعة النووي من روسيا واللي تكلفته 25 مليار دولار، كان ممكن تجنبهم خاصة مع التوسع في إنشاء محطات إنتاج طاقة نظيفة وبتكلفة أقل بكتير.

 

– تراكم الديون شيء سلبي، وكتير من الدول دخلت أزمات كبيرة بسبب الإقتراض غير المحسوب والمستمر من حكوماتها، وللأسف الديون دي بتتحملها الأجيال القادمة، عشان كده الحكومات بتتقيم بمدى قدرتها على الإنفاق والإستثمار وعدم توريط بلدهم بقروض كتيرة تزود العبء على أي حد بعدهم.
– صحيح مصر حتى الآن قادرة تسدد ديونها الخارجية بانتظام، وتصنيفها الائتماني جيد، لكن ده حاليا على حساب الانفاق العام بالداخل، والمشكلة على المدى الطويل في الاستمرار في الاقتراض بدون سقف اللي ممكن يعمل كوارث وده شيء أكيد منتمناهوش لبلدنا.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى