مصر

ومسحت بلاط صاحبة الجلالة

ومسحت بلاط صاحبة الجلالة

بعد أن تخرجت في الجامعة كانت حياتي المادية ضيقة جدا، وكان لزاما علي أن أعمل أي عمل لتوسعتها.
وعملت بالفعل مدرسا في بعض فصول التقوية الليلية إلا أن عائدها لم يكن مجزيا فاضطررت أن أبحث عن عمل آخر يكفل لي الحد الأدنى من المعيشة.
وكان صاحبي سمير فراج قد امتهن الصحافة وأخذ يمارسها بشكل مبتكر لفت نظري، ففكرت جادا في أن أعمل بالصحافة.
خصوصا أن ذاكرتي لا ينقصها المعلومات، وأفكاري لا ينقصها التنظيم، ولساني لا تنقصه اللباقة، فقط ينقصني أن أعرف الطريق.
وفي مناسبة لست أذكرها الآن تعرفت على الأستاذ أمجد عفيفي أحد أصحاب الوكالة العربية للصحافة، وهي عبارة عن مكتب صحفي يراسل بعض الجرائد العربية ويمدها بشتى المواد الصحفية من سياسة، إلى أدب، إلى فن، إلى دين، إلى رياضة، إلى آخره.

وكانت لهذا المكتب مزية لا توجد في غيره من مكاتب الصحافة هي أنه كان يدفع مكافأة الموضوع قبل النشر، وكانت قلة المكافأة تعوضها سهولة قبول الموضوعات بقطع النظر عن سرعة النشر أو بطئه.
أما أمجد نفسه فقد كان رجلا حنونا رقيق الإحساس حلو الفكاهة تربطه بمن يعملون معه علاقة أبوية فكان يسأل كلا منهم عن حياته الشخصية ويشير عليه بما يجب أن يفعل وكان لا يتردد في تقديم المساعدة لمن يحتاج إليها.
لهذا كنت أكن له حبا واحتراما شديدين وكنت أبذل قصارى الطاقة لأحوز إعجابه، أما هو فكان يشجعني سواء عليه أصبت أم أخطأت وكان يعلمني مبادئ الصحافة بمنتهى الرفق ومنها أنه لا كلام بلا صور، ومنها أن المصدر إن أطال فلا توقفه بل دعه يقول كل ما يحب ثم قم أنت باختصار ما قال.
ومنها تقديم العناوين الفرعية الجذابة قبل الدخول في الموضوع، ومنها ألا تقتصر على نقل ما يقوله المصدر بل تتعداه إلى وصف حركاته إن تحرك أو تنهداته إن تنهد وذلك لكي لا يكون الحوار جافا لا روح فيه.
ومنها ألا تأخذ من المصدر صورة واحدة بل صورا متعددة لنختار أصلحها للنشر، ومنها أن بعض الموضوعات تصلح للنشر دون بعض فإما أن تكون موضوعات عصرية ملحة أو عميقة ثابتة.

وهكذا أقبلت على ممارسة الصحافة بالمعنى المهني وسرعان ما أصبحت صحافيا محترفا في وقت قصير، وكانت طريقتي في ممارسة الصحافة هي أن أقوم بتسجيل الحوار أو التحقيق كاملا ثم أعهد به إلى من يقوم بتفريغه.
وكنت في أول أمري أحمل جهاز تسجيل في حجم الديك الرومي وأتنقل به من مكان إلى مكان، وكان أول تحقيق قمت به هو عدية ياسين بين الحقيقة والخرافة وكان لزاما علي أن أسأل علماء الأزهر، وعلماء الاجتماع، وقراء القرآن.
وحين توجهت إلى المسجد الحسيني من أجل استكمال التحقيق وذلك بسؤال القراء عن كيفية قراأة العدية وجدته خاليا منهم وحين سألت عنهم خادم المسجد قال لي بعد أن ظنني متسولا { زمايلك كلهم في مولد سيدك إبراهيم الدسوقي، حظك نار هاتاخد الحسنة كلها لوحدك قدم اقعد عند الممبر عشان تاخد حسنتك!!!!} وعبثا حاولت أن أقنعه أنني لست من القراء ولا المتسولين فلم يقتنع.

ما علينا، عملت في الصحافة المنوعة أدب، وفن، ودين، واجتماعيات وبعد فترة قصيرة خطرت لأمجد فكرة غريبة هي أن أقوم بتصوير مصادري بنفسي وعلمني كيف أستخدم الكمرا بمهارة معقولة عن طريق ضبط يدي بعد أن أبتعد عن الهدف بمسافة مناسبة.
ورغم أنني أتقنت التصوير إلى حد معقول فإن المصادر كانوا يصابون بمنتهى الرعب حين أعرض عليهم أن أصورهم فكانوا يقدمون لي أي عدد أطلبه من الصور!!!.
وكانت الليلة التي تسلمت فيها الكمرا ليلة سوداء، فقد خفت عليها وهي غالية الثمن أن تنكسر في المواصلات فوضعتها تحت إبطي وقررت أن أمشي بها إلى بيتي، ولك أن تتخيل المسافة من العتبة إلى عين شمس في ليلة رمضانية.
أقسم لكم لقد بقيت بعدها ثلاثة أيام في الفراش لا أستطيع أن أرفع يدا أو أضع رجلا.
وأثناء عملي بالصحافة كانت تواجهني عقبتان لم أجد لهما حلا، إحداهما تفريغ المادة المسجلة، وكنت ألجأ في تفريغها إلى من تيسر من الأصدقاء فيقبل بعد أخذ ورد وتعلل بشتى الأسباب الواهية، وأما العقبة الأخرى فهي مُحن المصادر وكانت هذه لا حل لها.

فالمصادر وخصوصا الفنانين تتدلل عليك كما تتدلل لعوب محنكة على مراهق في الإعدادية، وبعد أن نستثني الذين لا يردون على التليفونات أصلا ونتحدث عن الذين يردون فهذا يعطيك موعدا في مكان بعيد جدا ثم تذهب فلا تجده! وهذا يعطيك موعدا في مكان بعيد جدا ثم تذهب فتجده إلا أنه يعتذر لك!! وهذا يرفض أن يتحدث إليك ما لم تكن حاملا كرنيه النقابة كما حدث لي مع الفنان حسين فهمي.
وقد لا يخلو الأمر من شتم تسمعه كما حدث لي مع أم الفنانة إلهام شاهين، فما هو إلا أن ردت علي وأخبرتها أنني أريد أن أجري حوارا مع النجمة حتى اندفعت تقول:{ اقفل يا حرامي، يا نصاب، بطلو أمور الشحاتة وتلقيح الجتت إتفو} وكانت هذه الحادثة هي السبب المباشر في تركي للصحافة الفنية تماما.
والمصادر مثل الأطفال فالويل لك كل الويل إن أجريت حديثا مع مصدر ثم لم ينشر هذا الحديث لأسباب خارجة عن إرادتك، هنالك يثور المصدر حين يلقاك صدفة فيتهمك بأنك نصاب أو على الأقل بأنك صحفي فاشل كما حدث لي مع المرحوم الدكتور رمضان عبد التواب.

وقد يفسد هذا عليك حوارا مع مصدر جديد جئت من أجله، على أن عملي في الصحافة لم يخل من طرافة.
ففي أحدى السنوات وبعيد عيد الفطر وفي صبيحة ذلك اليوم أكلت الكعك بشيء من الإفراط ثم توجهت للقاء المرحوم الدكتور عبد المجيد مطلوب رئيس قسم الشريعة بكلية الحقوق جامعة عين شمس.
وكنت أحمل معي جهاز التسجيل الذي هو في حجم الديك الرومي وفيه شريط مدته تسعون دقيقة، ولست أدري من الذي أقنع الرجل أنني لا أجري معه حديثا صحفيا بل أبحث له عن وظيفة فأخذ يقص علي ما لا طاقة لي بسماعه فضلا عن تذكره.

فلم يدع تفصيلة من تفاصيل حياته إلا ذكرها، وفي منتصف الشريط أصبت بالإسهال نتيجة للإفراط في أكل الكعك، وأخذت أحتمل وأتصبر حتى يفرغ الوجه الأول من الشريط فلا تسلني عما أصابني من الإحباط حين طلب مني الدكتور أن أقلب الشريط ليستأنف حديثه وأخيرا وبعد أن انتهى الشريط سألني الدكتور إن كان معي شريطا آخر ليتم حديثه فأقسمت له بالله العظيم ثلاثا أن هذا هو الشريط الوحيد الذي معي.
وانتهت المأساة بدخول الحمام، وكان من العجب أن الجريدة التي كنت أعمل فيها لم تنشر من كل هذا إلا عمودا أو أقل من عمود.
أجل لقد عملت في الصحافة سنتين أو أكثر قليلا فقابلت كثيرا من الشخصيات العامة في كثير من المجالات، كالدكتور فرج فودة، والدكتور فؤاد زكريا، والمرحوم الدكتور إبراهيم بيومي مدكور رئيس مجمع اللغة العربية، والأستاذ لويس عوض، والدكتور ميلاد حنا، والفنان صلاح ذو الفقار، والفنانة زوزو نبيل، وغيرهم.
كما اخترعت موضوعات لطيفة مثل عدية ياسين بين الحقيقة والخرافة، وأكلات مشهورة بأسماء مغمورة كنت أبحث فيه عن الأكلات التي سميت بأسماء أشخاص لا نعرف من هم ككفتة داوود باشا، وعزيزة، وأصابع زينب، وشباك الجنة، وأم علي وغيرها.
لقد دخلت الصحافة مكرها مدفوعا بالحاجة وخرجت منها مختارا مدفوعا بالملل ولكنها أمدتني بخبرات كنت بلا شك في أمس الحاجة إليها.

بواسطة
الدكتور الشاعر صلاح عبدالله
الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى