فن وسينما

A Space Odyssey أكثر الأفلام غموضًا وخضوعًا لشتى التأويلات

A Space Odyssey أكثر الأفلام غموضًا وخضوعًا لشتى التأويلات

بمجسم أسود مصمت وأملس، صامت وحاد الزوايا، يحاول أن يشرح كوبريك الغموض الذي يعتري تصوراته عن الإله/القوة العليا في هذا الكون؛ بكل ما يمكن أن تعبر عنه هذه الخصائص المظهرية، إنه أملس لا يمكن تسلقه، مصمت، لا يمكن اختراقه، أسود، لا يمكن فك شفراته أو التقليل من قوته.

محاولات شرحه لهذا الغموض أسفرت عن 2001: A Space Odyssey، أحد أكثر الأفلام غموضًا وخضوعًا لشتى التأويلات، حينما سُئل كوبريك عن ما يعنيه فيلمه، أجاب أنه لو كان يستطيع شرح الأمر بالكلمات ببساطة لما كلف نفسه صناعة الفيلم.

في هذا الفيلم، يُعَرف كوبريك مرة أخرى بنفسه كرجل الصورة، الصورة ضالته التي بها يشرح دواخله، ولسانه حين تخذله الكلمات. يبدأ الفيلم ب ٢٥ دقيقة من الصمت، صورة فقط بلا كلمة من حوار أو صوت الراوي؛ طوال الفيلم يتكرر تتابُع مشاهد طويلة مكونها الصورة فقط، بلا كلمات ولا حتى موسيقى أحيانًا.

يبدأ الفيلم منذ عصر القردة، كدلالة على الإنسان في أكثر أشكاله بدائية، وينتهي بالإنسان الذي أصبح فائق الذكاء، قادرًا على الذهاب إلى الفضاء، بل واختراع كائنات ذكية بدوره، يسميها الذكاء الصناعيّ.

كان القردة أقل قدرة على السيطرة على ما حولهم، حتى هبط عليهم المجسم الغامض، ومنحهم ذكاء أكبر من باقي المخلوقات، أول استخدام لهذا الذكاء كان أن أرشدهم إلى استعمال “الأدوات” لجعل حياتهم أفضل، الأداة الأولى كانت السلاح الأول: عظام حيوان ميت، تُقتل بها الحيوانات الأخرى؛ ثم تطور ذكاء القردة، لم يعودوا قادرين على قتل الحيوانات الأخرى والتهام لحومها فحسب، بل أصبحوا يقتلون بعضهم البعض.

يقفز الفيلم قفزة هائلة، بعد آلاف السنين، يكون هناك جيل آخر من البشر، شكل آخر من أشكال هذا الذكاء الذي بدأ بالقردة، يصنعون سفينة فضائية، يعرضها كوبريك في مشهد مشابه لاستعمال عظام الحيوان، في إحدى أشهر المقابلات التصويرية في السينما، إنها سلاح البشر الجديد في السيطرة على مكان آخر، بعد ما أحكموا قبضتهم على الأرض بكل ما فيها، وبعد أن صنعوا الحواسيب الآلية الذكية “هال”، في محاولة لتطوير “الأداة” لتصبح شبيهة بهم، الكائنات الذكية التي صنعها الإنسان تتصرف مثله تمامًا، إنها تكذب، وتقتل، وتتعطش للقوة.

لكن الإنسان في الفضاء، مثل القرد في الأرض، في بداية رحلة المعرفة، عليه أن يتعلم كل شيء من البداية، كيف يمشي، كيف يقف، كيف يقضي حاجته، إنه في الفضاء مجرد رضيع، حتى طعام رواد الفضاء هو طعام الأطفال الرضع.

المجسم الغامض يظهر مرة أخرى، في كل ظهور له يتطور البشر إلى جيل أكثر ذكاء وأقرب إلى الكمال، يتحلق حوله البشر مرة أخرى كما فعل القردة، لكن هذه المرة يحاول البشر أن يتعدوا حدودهم، يلتقطون صورة مع الجسم، يُصدر الجسم طنينًا غاضبًا، ويقرر ربما أن وقتهم قد انتهى، وأن الوقت قد حان للنسخة الجديدة، والإنسان الأعلى، تمامًا مثل ما فعل الإنسان مع الحاسوب الذكي هال، حين تجاوز حدوده، قام بفصله.

يُرسل الجسم الغامض الإنسان في رحلة طويلة إلى المشترى، يصل عالم واحد فقط إلى نهاية الرحلة، بعد أن يُقتل باقي الطاقم على يد هال، ويتخلى عنهم الإنسان الناجي، هناك يوضع في غرفة شبيهة ببيئته الأرضية، يشاهد فيها شيخوخته وتحلله وموته ببطء، ثم ينهض من جثته طفلًا كالنجم أو الكوكب، يحلق في الفضاء ويحاول الوصول إلى الأرض من جديد، إنه المبشر بالجيل الأكثر تطورًا من الإنسان، الذي يبدو أن كوبريك يؤمن أنه سيظل يتطور حتى يصبح أقرب صورة من المجسم الغامض نفسه.

بواسطة
Rofayda
الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى